الجمعة، 6 أكتوبر 2017

كازو إيشيجورو: أرى تماثلات كثيرة بن الروايات والأغنيات

ضمن سلسلة نيويورك تايمز الحوارية مع الكتاب حول قراءاتهم وكتبهم المفضلة، الروائي البريطاني  كازو إيشيجورو

أرى تماثلات كثيرة بين الروايات والأغنيات


ـ ما الكتب الموجودة حاليا على المنضدة المجاورة لسريرك؟
ـ مثلما أوضح طول الوقت لزوجتي، فإن كل كتاب على المنضدة المجاورة لسريري هو جزء من مشروع ما أساسي، وإنه لا مجال على الإطلاق لترتيبها. هناك على سبيل المثال مشروعي عن هوميروس، ولذلك فهناك ترجمات ستيفن ميتشل الجديدة للإلياذة والأوديسة. وقد انتهيت من الأولى، ولكنها يجب أن تظل موجودة في مكانها إلى أن أنتهي من الأخيرة. هذه النسخ أكثر انضباطا، وأقل غنائية من ترجمات فيجلز العظيمة، ولكن المشاعر العظيمة تبقى حاضرة بقوة في تعبيرات أبسط. وتحت الكتابين ثمة "الميت العظيم: سر أهمية هوميروس" لآدم نيكولسن، والذي قد أقرؤه أو لا أقرؤه لاحقا. ولدي بعد ذلك مشروعي القوطي الجنوبي: فهناك كتب كارسن مكالرز "القلب صياد وحيد"، وفلانري أوكونور "دم حكيم"، ولم أقرأ كليهما من قبل. وفوقهما "جوني ميتشل عبر كلماتها: حوارات مع مالكا ماروم". ومن الغريب أنني أزداد إعجابا بميتشل كلما تقدم بي العمر (وهذا عكس تجربتي مع أغلب مجايليها السبعينيين من كتاب الأغنيات). ألبومات مثل "هجرة Hejira" و"أزرق" تبدو لي الآن بلا أشك من جملة الفن العظيم، ولا أثر على الإطلاق في تقييمي هذا للنوستالجيا. ولكنها طالما كانت بالنسبة لي لغزا، وأرجو أن يكون هذا الكتاب حافلا بالاكتشافات.

ـ من الروائي المفضل لديك من كل العصور؟
ـ تشارلوت برونتي زحزحت في الفترة الأخيرة دوستويفسكي. ففي إعادة قراءتي لدوستويفسكي في نضجي، أجدني أقل صبرا على سنتمنتاليته، وعلى الاستطرادات والارتجالات المطولة التي كان ينبغي حذفها أثناء التحرير. ولكن تناوله للجنون شامل وعميق، حتى ليتصور المرء أنه تشخيص إنساني مطلق. أما عن برونتي، فحسن، أنا أدين بمسيرتي الروائية كلها، وبأشياء أخرى أيضا، لـ "جين إير" و"فيليتي".

ـ ما الكتب التي قد يدهشنا وجودها في مكتبتك؟
ـ عندي قسم مخصص لروايات الغرب الأمريكي. وفي ضوء مركزية هذه الأسطورة الحدودية في ذاكرة أمريكا الجمعية، فإنني طالما اندهشت من عزوف المجتمع الأدبي في أمريكا عن تبني هذا النوع الأدبي بالحماس اللائق به. بل إنني أستشعر توترا، وهروبا من الموضوع، كلما أثير في في الدوائر الثقافية. هل سبب ذلك هو الإحساس فقط بأن السينما هي صاحبة الحق الأكبر في هذا الموضوع؟ أم أن ثمة إحساسا أعمق بعدم الارتياح للمنطقة التي يحتلها هذا النوع لا محالة؟ أرى في مكتبتي "الصخر الحقيقي"، و"واقعة بحيرة أوكسباو"، و"الظهيرة الدامية" (وهي جميعا من الروائع) و"اليمامة الوحيدة" (ولعلها كذلك أيضا)، و"ديدوود" و"معبر الجزار"، و"وقفة سانت آيجنز"، وغيرها. وجميعها بالفعل روايات جميلة. ولا تسألني عن "أبناء فرجينيا" ففيها فصلان رائعان في البداية، ولكنها بعد ذلك متواضعة إلى حد ما.

ـ علاوة على رواياتك، كتبت أيضا أغنيات جاز. كيف تقارن بين كتابة الرواية والكتابة للجاز؟ وهل لديك رواية مفضلة موضوعها الجاز؟
ـ في هذه الأيام لا أكتب غير الكلمات. عازف الساكسفون جيم توملنسن يؤلف الموسيقى ويوزعها، ونؤلف الأغنيات معا لمغنية الجاز العظيمة ستيسي كنت. ولكنني أكتب الأغاني منذ أن كنت في الخامسة عشرة، وثمة ـ في ما أرى ـ تداخل كبير بين الرواية والأغنية. أسلوبي كروائي يأتي بالدرجة الأساسية مما تعلمته من كتابة الأغاني. حميمية المغني المباشرة حينما يؤدي أمام الجمهور تماثل في نظري حالة كتابة الرواية تماثلا كبيرا. وكذلك الحاجة إلى تناول المعنى برهافة تصل في بعض الأحيان إلى ضرورة بثه في ما بين السطور. تلك جميعا أشياء لا بد لك أن تفعلها وأنت تكتب كلمات ليغنيها شخص ما.
أنا لم أقرأ قط رواية جيدة عن الجاز. محاولة كيرواك في هذا الصدد كانت بائسة. ولكن رواية مثل رواية موراكامي "جنوب الحدود، غرب الشمس" تبدو تجسيدا لروح الجاز، وتبدو قراءتها أشبه بالاستماع إلى أغنية جاز حزينة في آخر الليل. غير أن هناك ثلاثة أفلام بارزة موضوعها الجاز "قرابة منتصف الليل" لتافرنيير، و"الطائر" لإيستوود، وفيلم كاسافيتس المظلوم تماما "أغنيات بعد فوات الأوان" عن الموسيقيين الفاشلين في كاليفورنيا أواخر الخمسينيات.

ـ ما آخر كتاب قرأته فأثار ضحكك؟
ـ كتاب نانسي ميتفورد "الحب في الطقس البارد". ظريف بحق، لكن المدهش أنه مقبض أيضا.

ـ ما آخر كتاب قرأته فأثار بكاءك؟
ـ مسرحيات تيرنس راتيغان، وبالذات "النسخة البنية"، و"بعد الرقصة"، و"طريق الوهج" و"الصبي من وينسلو". هناك على أقل تقدير لحظة مؤثرة للغاية في كل منها، ومشاعر قوية دائمة. لم تفشل مرة في إثارة الدمع في عيني، سواء وأنا أقرؤها أو أشاهدها على الخشبة.

ـ أي قارئ كنت في طفولتك؟ وكتابك المفضل. وأحب الشخصيات؟
ـ مثل كثير من الصبية لم أكن أقرأ تقريبا، إلى أن حدث واكتشفت قصص شرلوك هولمز في مكتبة الحي. كنت في التاسعة أو العاشرة، فلم أكتف بالقراءة بهوس عن هولمز وواطسن، بل صرت أتصرف مثلهما. كنت أذهب إلى المدرسة فأقول أشياء من قبيل "اجلسي يا براي" و"هذا أمر شديد التفرد". فكان الناس في ذلك الوقت يرجعون كلامي إلى أنني ياباني.
"كلب باسكرفيلز" كانت ولا تزال أحب قصص هولمز إليّ. كانت مخيفة، حرمتني ليالي من النوم، لكنني أتصور أنني انجذبت إلى عالم كونان دويل لما وجدته ـ على النقيض من ذلك ـ عالما شديد الدفء.

ـ ما وقع مشاهدتك الأفلام المأخوذة عن كتبك؟ ولو أن لك أن تختار من بين كتبك عملا يتحول إلى فيلم فماذا يكون؟
ـ أمر مرض إلى أبعد حد أن تشاهد فريقا من الموهوبين المخلصين يحولون ما تناثر من خيالك دونما نظام إلى فيلم محكم. فيلما "بقايا النهار" و"لا تدعني أذهب" كانا تجربتين إيجابيتين تماما، وتعلمت منهما ما لم أكن أعرف عن الشخصيات، لا سيما من رؤى الممثلين. كنت في بعض الأحيان أتجاوز المعقول في الاعتراض على بعض الصور التي لا تتطابق وما في تصوري: "مهلا، أنتم أخطأتم تماما في تصوير هذه الغرفة! كيف خطر لكم أن تجعلوا الباب في هذا الجانب؟"، ولكنني لم أنظر قط إلى هذه الأفلام بوصفهما ترجمات لكتبي، بأي معنى من المعاني، أو مثلما أنظر مثلا إلى الطبعات الفرنسية. أراها دائما أعمالا مستقلة عن أعمالي، قد تكون بمثابة الأقارب، أو حتى أبناء العمومة، ولكنها منفصلة.
من أعمالي التي لم تتحول إلى سينما، أكثر ما أحب أن أراه على الشاشة الكبيرة هو الأحدث، روايتي "العملاق الدفين". قد يكون الفيلم أقرب إلى قصة ساموراي غرامية إنجليزية. وحقوق استغلالها السينمائي حاليا مع المنتج الاستثنائي سكوت رودن، لذلك عندي أسباب للتفاؤل.

ـ محبط، مغالى في تقديره، ببساطة رديء. ما الكتاب الذي تشعر أنه كان ينبغي أن يعجبك ولم يعجبك؟ هل تتذكر آخر كتاب تركته دون أن تكمله؟
ـ لا أريد أن أحدد عناوين. ولكن هناك كتبا كثيرا للغاية حولنا وقد شهد لها على أغلفتها أصدقاء مؤلفيها وزملاؤهم أو أكاديميون متقاعدون. لا بد أن تكون لنا وقفة مع هذه الشهادات المرتبة. ففيها فساد سافر، ومجاملات واضحة. وهي تخدع القارئ، وتمنع دون وصول الكتب الجيدة إلى ما تستحقه.

ـ لو كان لك أن تطلب من رئيس الوزراء أن يقرأ كتابا واحدا، فأي كتاب تختار؟
ـ أظنني أقترح على رئيس الوزراء رواية "إما أحمر أو ميت" وهي رواية لديفيد بيس عن مدرب كرة القدم بيل شانكلي. والأحمر إشارة إلى الشيوعية، وايضا إلى فريق ليفربول لكرة القدم. الرواية مجنونة، ولكنها عبقرية أيضا، وهي بمثابة نصب تذكاري للرقة المذهلة التي عرفتها الحياة البريطانية ذات يوم ولكنها الآن تتلاشى بسرعة.

ـ ما الكتاب الذي لم يؤلفه أحد وتتمنى أن تقرأه؟
ـ رواية جين أوستن السابعة، الرواية التي كان يمكن أن تكتبها في سنوات نضجها، ناظرة في أمر الحب وما يجري له بعيدا عن الغزل وليلة الزفاف.

ـ ما الكتب التي تعود إليها المرة تلو الأخرى؟
ـ لا أعيد قراءة كتب بأكملها، حتى الكتب المحببة إليّ. ولكنني أعيد قراءة قصص قصيرة معينة، مثلما أفعل مع مقطوعات موسيقية مفضلة. "ينابيع الصخرة" لريتشارد فورد، "أيونتش" لتشيخوف، "قل لي أقتل من" لفي إس نيبول، مجموعة "نيران" لريموند كارفر، "اللهب الفضي" لكونان دويل، ومسرحية جون مليلنتن سينج "في ظل غلين".

ـ ما الكتب التي تشعر بالحرج لأنك لم تقرأها؟
ـ القائمة أطول من أن تكون ذات معنى. وينضم إليها كتاب جديد كل بضعة أيام، بحسب ما يتكلم الناس عنه أمامي، والأحدث انضماما للقائمة رواية "الخدعة 22" لجوزيف هيلر

ـ ما الذي تخطط لقراءته لاحقا؟
ـ زوجتي تلح عليّ منذ فترة أن أقرأ رواية بريطانية جديدة هي الأولى لكاتبتها، عنوانها "ذات المعطف الأحمر" لـ كيت هامر. لاحظت أثناء قراءتها أنها لم تكن على طبيعتها إطلاقا. ظلت تقول إنها شديدة الإزعاج، وإنها تريد أن تتوقف عن قراءتها، ولكن التوقف مستحيل. والآن أريد أن أعرف ما إذا كان زوجتي مصابة بالهستريا.

نشرت الترجمة في موقع 24